السيد عبد الأعلى السبزواري
406
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ سورة الإسراء ، الآية : 44 ] . وسبحان مصدر كغفران لا يستعمل إلّا مضافا فإن أصله « سبحته سبحانا » فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى ضمير المفعول وقام مقامه . ويستعمل في تنزيهه عن جميع ما لا يليق به عزّ وجل ، فيجتمع فيه جميع الصفات السلبية . قوله تعالى : بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . شروع في الرد عليهم فحكم بأنه غني لا يحتاج إلى أحد ، وأنّ كل ما في السماوات والأرض مملوك له بالإيجاد والاختراع ، ومن كان كذلك لا يتصور الولد بالنسبة اليه . هذا إذا كان المراد بالولد معناه اللغوي العرفي أي النسبي ، منه ، وأما إذا كان المراد الاتخاذي منه - كما هو الظاهر من لفظ الاتخاذ في جملة من الآيات المباركة المشتملة على عنوان اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ سورة يونس ، الآية : 68 ] ، وقال تعالى : وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً [ سورة الإسراء ، الآية : 40 ] فيكون مثل قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ سورة النساء ، الآية : 125 ] ، ونظير قوله تعالى : أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ سورة المجادلة ، الآية : 22 ] - فيمكن أن تصح النسبة حينئذ ، إذ يكفي فيها أدنى مناسبة فضلا عن أعلاها . وهو باطل أيضا لأن مناط اتخاذ الولد الحاجة وهو تعالى منزه عنها ، لأنه الكمال الأتم والغني المطلق فلا يعقل الاحتياج بالنسبة إليه ، وهذا الوجه يجري في القسم الأول أيضا ، مضافا إلى ما سيذكره سبحانه وتعالى في ما بعد . قوله تعالى : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ . القنوت بمعنى الدعاء والعبادة والخضوع ومرجع الكل إلى الأخير . ولكن للخضوع مظاهر مختلفة أي : ان الكل خاضع لإرادته ومنقاد لسلطانه ، وذلك ينافي أن يتخذ ولدا ، لأن المعبودية المطلقة مناط للاستغناء المطلق وولادة شيء من شيء مناط الاحتياج ، وهما لا يجتمعان ، فجميع ما سواه تعالى يشهد له بتنزهه عن الولد ، قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ سورة الإسراء ، الآية : 44 ] .